وهبة الزحيلي

181

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي : إن أحد الفريقين منا ، سواء معشر المؤمنين الموحدين اللّه الخالق الرازق ، الذين يخصونه بالعبادة ، أو المشركين الذين يعبدون الجمادات العاجزة عن الخلق والرزق والنفع والضرر ، لعلى أحد الأمرين من الهدى أو في الضلال البيّن الوضح ، فلا سبيل إلى تصويب كل منا ، فإما أن نكون نحن أو أنتم على الهدى أو على الضلال ، بل واحد منا مصيب ، والآخر مخطئ مبطل . وهذا أسلوب فيه لطف وأدب ، لاستدراج الخصم إلى أن ينظر في حاله وحال غيره ، ويستعمله العرب لإعطاء الحرية للمخاطب بأن يتأمل ويعلن عن قناعة أنه مخطئ وغيره مصيب ، كما يقول الرجل لصاحبه : قد علم اللّه الصادق مني ومنك ، وإن أحدنا لكاذب . ويلاحظ أنه ذكر كلمة « على » مع الهدى ، وكلمة « في » مع الضلال ؛ لأن المهتدي كأنه مرتفع متطلع ، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها . ووصف الضلال بالمبين ، ولم يصف الهدى ؛ لأن الهدى هو الطريق المستقيم الموصل إلى الحق ، والمستقيم واحد ، وغيره كله ضلال ، بعضه أبين من بعض . وقدم الهدى على الضلال لمناسبته لوصف المؤمنين المبدوء بكلمة إِنَّا المقدم في الذكر . ثم أعلن اللّه تعالى وجود الانفصال بين الفريقين واستقلال كل منهما عن الآخر بطريق التلطف مرة أخرى بنسبة الاجرام فرضا إلى المؤمنين والعمل للمشركين فقال : قُلْ : لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا ، وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ أي قل أيها الرسول أيضا للمشركين : إن كانت عبادتنا للّه وطاعتنا له جريمة ، فلستم مسئولين عنا ، ولا نسأل عما تعملون من خير أو شر . وهذا معناه التبري منهم ، فلستم منا ولا نحن منكم ، بل ندعوكم إلى توحيد اللّه وإفراد العبادة له ، فإن أجبتم فأنتم منا ، ونحن منكم ، وإن أعرضتم وكذبتم فنحن برآء منكم ، وأنتم برآء منا ، كما قال اللّه تعالى : وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ : لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [ يونس 10 / 41 ] . وقد أضاف الاجرام إلى النفس :